الشيخ محمد هادي معرفة

273

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أبا سعيد كرمه وجوده : وتقاسم الناس السخاء مجزّءا * وذهبت أنت برأسه وسنامه وتركت للناس الإهاب وما بقي * من فرثه وعروقه وعظامه قال ابن الأثير : والقبح الفاحش في البيت الثاني ، وكلّ هذا التعسّف في التشبيه البعيد دندندة « 1 » حول معنى ليس بطائل ، فإنّ غرضه أن يقول : ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى . أو أذهبت بالجيّد وتركت للناس الرديء . « 2 » نعم إنّه صوّر من السخاء حيوانا له رأس وسنام . وهذا لاعيب فيه ، إنّما العيب في جعل الإهاب والفرث - وهو السرجين داخل الكرش - له ، الأمر الذي تتجافاه سجية السخاء التي هي مكرمة خالصة . فوائد التمثيل والتجسيد الفنّي يسمّى عندهم بالتمثيل ، وكان من أروع أنواع التشبيه ، ذو فوائد وحكَم شتّى ذكرها أرباب البيان : قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني : اتّفق العقلاء على أنّ التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه ، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورة التمثيل ، كساها ابّهة ، وكسبها منقبة ، ورفع من أقدارها ، وشبّ من نارها ، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها ، ودعا القلوب إليها ، واستنار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا ، وقسر الطباع على أن تعطيها محبةً وشغفا . ثمّ جعل يُعدّد فوائده في أنواع الكلام ، مدحا أو ذمّا ، حجاجا أو فخارا أو اعتذارا ، أو وعظا وإرشادا ، ونحو ذلك . قال : فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم ، وأنبل في النفوس وأعظم ، وأهزّ للعطف ، وأسرع للُالف ، وأجلب للفرح ، وأغلب على الممتدح ، وأوجب شفاعة للمادح ، وأقضى له بغرّ

--> ( 1 ) - الدندنة : طنين الذباب . ( 2 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 154 .